 |
ما زال الكثير من الخبراء والمهتمين بالمشاريع الإنشائية والهندسية يتساءلون عن أسباب تأخر الجهات العامة عن المدد المحددة عند تنفيذ أي مشروع وهنا دعونا نتوقف عند الجهات العامة، فالتأخير في حالتنا هذه مرتبط فقط بالجهات العامة حتى إن المواطن العادي عندما يعلم أن جهة عامة قد أقدمت على تنفيذ مشروع معين فتراه يراهن على وجوب تأخر التنفيذ بشكل بديهي وفي حال تم إنجاز أحد المشاريع ضمن المدد المحددة تراه يؤكد أن الجهة المنفذة ليست عامة حتى إنه يستعد للمراهنة دون أن يتأكد من المعلومات الدقيقة وهنا دعونا نتساءل:
ما الحقيقة وراء هذه النظرة إن لم نقل قناعة؟
لا أحد يستطيع أن ينكر أن الجهات العامة قد حاولت بالفترة الأخيرة أن تعيد النظر بحساباتها مستفيدة من الدعم الحكومي الواضح والتحيز الكبير الذي أكده رئيس مجلس الوزراء أكثر من مرة بأن الأولوية في تنفيذ المشاريع العامة للجهات والشركات العامة ومن ثم فقد عملت على النهوض بواقعها ومشاريعها وحتى كوادرها محاولة منها لتغيير النظرة التي ثبتت عليها فيما يتعلق بمسألة التأخر بالوقت ومع هذا فإنها مازالت حتى هذه اللحظة تتعرض للتأخير على الرغم من كل الدعم وحشد الطاقات والأمثلة على ذلك كثيرة حيث ثمة مشاريع متعثرة ومتأخرة لأكثر من عدة سنوات ومن ثم أصبح الأمر واقعاً لا أحد يستطيع إنكاره ومن ثم نتساءل مجدداً:
هل ثمة أسباب لا طاقة للجهات المعنية على تداركها؟
وهل ثمة نية للجهات المعنية على تخطي هذه الأسباب، أم إن المسألة خارجة عن إرادتها؟
والكثير من التساؤلات التي بتنا بحاجة للإجابة عنها الأمر الذي جعلنا نتطرق لهذه الموضوع بشيء من التفصيل من خلال هذا الملف عبر صحيفة «الاقتصادية».
خطوات أساسية
للاطلاع على التفاصيل التقينا بداية الدكتور بيير نانو الأستاذ بكلية الهندسة المعمارية ونائب العميد للشؤون العلمية بجامعة دمشق والذي أشار إلى أنه لأي مشروع ثمة عدة خطوات أساسية لتنفيذه وأيضاً ثمة عدة جهات مسؤولة عن تنفيذه والتي تتمثل بداية بالجهة صاحبة المشروع والجهة الدارسة والمدققة والجهة المنفذة وأخيراً الجهة المشرفة على العمل ضمن الأنظمة والقوانين.
وأضاف: الإشكالية الأساسية التي قد تنشأ في بداية كل مشروع تتمثل بأنه قد لا يكون ثمة فكرة عن متطلبات المشروع والبرنامج الوظيفي الحقيقي المطلوب ومن ثم فإن التصور الأولي لحاجات المشروع يبقى غير واضح في الوقت الذي غالباً ما تكون فيه الكوادر المعنية باتخاذ قرارات بهذا الشأن غير مؤهلة وأيضاً غير متوافرة بأعداد كبيرة بالمؤسسات الحكومية المعنية في تنفيذ المشاريع.
مزاجية رأس الهرم
وقال: ومن الأسباب الرئيسية وراء التأخر بتنفيذ المشاريع الإنشائية من الجهات العامة والحكومية تأتي مشكلة مزاجية رأس الهرم للمؤسسة صاحبة المشروع ومن ثم العقلية غير المؤسساتية، واسمح لي أن أؤكد أن ما تقوم به لجان متابعة المشاريع أمر جيد إلا أنه ثمة مشكلة بمركزية عمل هذه اللجنة حيث إنه لا فروع لها بالمحافظات ما يسهم في تأخر نتائج عملها على الرغم من المرونة التي تتحلى بها في بعض الأحيان، ومن جهة أخرى فإن إشكالية اللجنة تتوقف عند البرنامج الوظيفي إلا أنه يجب أن يكون هناك جهة معنية بالأنظمة والقوانين وتطويرها وهو أمر ما زال غير متوافر في سورية حتى هذه اللحظة لتصبح الأنظمة والقوانين أحد أهم أسباب التأخر في إنجاز المشاريع.
نواقص تظهر عند التنفيذ
ولفت الدكتور نانو إلى ضرورة البدء بتطوير الأنظمة والقوانين ففي كل دراسة لأي مشروع من المشاريع ثمة نواقص تظهر عند التنفيذ أو التطبيق ومن ثم يجب أن يكون ثمة مرونة بتعديلها حسب الأنظمة والقوانين.
وقال: كما تكمن المشكلة بكيفية اعتماد البرنامج الوظيفي والفترة الزمنية أيضاً فبعد اعتماد البرنامج الوظيفي لوحظ أن الفترة الزمنية للتنفيذ غالباً ما تكون ضيقة جداً ولا تتناسب مع الفترة التي اعتمدت لاتخاذ القرار، لذا فإن وضع برنامج زمني ناضج ومنطقي يصب إيجاباً على مصلحة المشروع وسرعة تنفيذه.
تقصير لنقابة المهندسين والجامعة أيضاً
وأشار إلى جزء كبير من المكاتب الهندسية التي تعمل في المدن السورية ليست مهيأة لتنفيذ الدراسات لجميع المشاريع وخاصة تلك التي تتطلب خصوصية معينة بالتنفيذ والدراسة حيث يجب أن يعطى أصحاب الاختصاص والمؤهلون الفرصة للعمل بالمشاريع التي نحن بصددها وتندرج ضمن اختصاصاتهم، وأشار إلى أن هذه المسؤولية تقع على عاتق نقابة المهندسين التي يجب عليها دعم المكاتب الاستشارية لتتنافس مع بعضها بعضاً بشكل شريف وضمن الأنظمة والقوانين حيث ثمة تقصير ينسب للنقابة من حيث التعامل مع المكاتب الجامعية حيث أوقف العمل مع المكاتب الهندسية الجامعية خلال السنتين الماضيتين نتيجة مزاجية بعض الأشخاص والمعنيين.
شركات بمستويات عديدة
وفيما يتعلق بالشركات المنفذة وقدرتها قال: ثمة ثلاثة مستويات للشركات المنفذة حيث يوجد شركات قادرة على تنفيذ أضخم المشاريع في الوقت الذي يوجد شركات تنفيذها مقبول وأيضاً هناك شركات وضعها سيئ للغاية والمشكلة أنها تبادر في التقدم لتنفيذ مشاريع من المؤكد أنها غير قادرة على تنفيذها وخاصة مع ضعف إمكانياتها، ولكن في الوقت نفسه يوجد شركات عامة جيدة وصاحبة خبرة في هذا المجال إلا أنها تعاني من بعض الظروف الصعبة مثل العمالة الفائضة وضعف الخبرات وغيرها من الأسباب التي باتت معروفة للجميع.
وأضاف: وبالعودة للجهات المشرفة على المشروع يجب عليها الاعتماد على اختصاصيين بالإشراف وذلك من منطلق أن المشرف معني باتخاذ قرارات مهمة على أرض الواقع وخاصة أن إعادة الفروقات للجهة الدارسة سبب أساسي في تأخر المشاريع حيث إنه يجب على المشرف أن يكون قادراً على اتخاذ قرارات تسهم في دفع العمل للأمام عوضا عن إعادة القضايا والفروقات البسيطة للجهة الدارسة وبمعنى آخر عودة الأمور لنقطة الصفر.
وضع ليس مأساوياً
وبين أنه ثمة نظام متبع في دول الخليج وهو منفذ من جهات القطاع الخاص في سورية حيث تتم الاستعانة بفريق استشاري يقوم باتخاذ قرارات جريئة ضمن مدة معينة الأمر الذي من شأنه معالجة الفروقات والمشاكل التي قد تظهر بشكل فوري وفعال، وتجدر الإشارة إلى أن هذه الآلية غير متوافرة في المشاريع المنفذة من القطاع الحكومي حيث إن القوانين والأنظمة تمنع وجود جهات كهذه واتخاذ قرارات كهذه ومن ثم الأمر متاح ولكن بشرط تعديل الأنظمة والقوانين التي باتت تعاني من نقص شديد وأعتقد أنه ثمة مسؤولية للجامعة في هذا التقصير.
وأضاف: ولكن أعتقد أن الوضع ليس مأساوياً وخاصة مع الكم من المشاريع المنفذة بشكل لا بأس به وبالنسبة للوقت فإن التأخير لم يكن كبيراً ومن ثم فإن الوضع مقبول نوعاً ما، ومن جهة أخرى يجب على جميع الجهات عدم التخلي عن الكوادر السورية والخبرات الوطنية التي تتعرض لطلب شديد من الخارج.
أسباب تأخر المشاريع
أما المهندس فراس بجاري وهو مدرس بكلية الهندسة المعمارية- جامعة دمشق فتحدث قائلاً:
لكوني الدارس لمبنى وزارة النقل الذي ينفذ من الشركة العامة للبناء ومن خلال خبرتي في هذا المجال أعتقد أنه ثمة مجموعة عوامل وراء تأخر تنفيذ المشاريع المنفذة من قبل جهات عامة حيث إن الجهات العامة تحصل على التعهد من قطاعات حكومية لتعطيه لمتعهدين ثانويين ليقوموا بدورهم بإعطائه لمتعهدين آخرين وهكذا ما يطول العملية سواء من حيث تعاقد الشركات مع المتعهدين وأيضاً تعاقد المتعهدين مع بعضهم بعضاً.
وأضاف: من جهة أخرى فإن الشركة المنفذة تخصص الأموال التي تحصل عليها من الجهة صاحبة المشروع لقاء تنفيذ المشروع لمجموعة من المشاريع ولا تخصصها فقط في إنجاز المشروع كما هو الحال مع الشركة العامة للبناء التي لم تخصص كامل ما حصلت عليه من وزارة النقل (صاحبة المشروع) لإنجاز المشروع إنما تم التعامل مع أكثر من مشروع منفذ من قبلها.
ضعف التنسيق بين الجهات المعنية
أما السبب الثالث والكلام للمهندس بجاري فيتعلق بضعف التنسيق بين الجهة المنفذة والمشرفة على التنفيذ وعلى سبيل المثال فبالنسبة لمبنى وزارة النقل فإن الجهة المقاولة هي الشركة العامة للبناء والمشرفة على التنفيذ هي الشركة العامة للدراسات حيث إنه وحتى هذه اللحظة لم يتم تخصيص كادر بشكل دائم لمتابعة العمل على أرض الواقع، حيث إنه من الأفضل أن تحضر جهة لمعالجة المشاكل على ارض الواقع مثلما قامت به الجهة المنفذة لفندق الفورسيزنز التي اضطرت لتغطية الفروقات التي ظهرت أثناء التنفيذ ما مكنها من تنفيذ المشروع خلال الوقت المحدد ودون تأخير، ومن ثم يجب على الشركة العامة للبناء تخصيص مكتب بالتعاون مع الشركة العامة للدراسات مع تزويده بالعدد الكافي من المهندسين للقيام بأعمال الدراسة الميدانية اليومية حيث إن الكادر الموجود حالياً غير مؤهل من حيث العدد أو الخبرات أو حتى الصلاحيات للتعامل مع هذا النوع من المشاكل.
وأضاف: يعتبر الأمر بمنزلة سلسلة حيث إنه عند توقيع العقد يتم حساب القيم حسب أسعار مواد البناء بالسوق ولكن عند التنفيذ (خاصة إذا استمر لفترة طويلة) تتعرض أسعار المواد للارتفاع الأمر الذي يشكل فروقات بالأسعار ما يضع المنفذ في وضع لا يحسد عليه وخاصة ازدياد الكلف التي لا يلحظها، ومن ثم عندما يسير المشروع وفق مراحله الزمنية لا تتعقد الأمور وفي حال التأخر سيصبح ثمة ضرورة لتعديل الكشوف التقديرية.
وأشار إلى أن الجهات العامة في حال أرادت فهي قادرة على تنفيذ مشاريع نوعية بوقتها المحدد وذلك من خلال وضع البرنامج الزمني الصحيح واختيار الكوادر اللازمة والمتابعة الفعالة حيث لاحظنا بالفترة القليلة الماضية تنفيذ مشاريع نوعية مثل عقدة مشروع دمر ومبنى رئاسة مجلس الوزراء ما يؤكد أن الحكومة قادرة على تنفيذ المشاريع كما يجب عند تدارك النقاط التي تطرقنا لذكرها.
الخاص أكثر مرونة
كما التقينا المتعهد حسام أبو عائشة الذي أشار إلى أنه قد خاض تجربة التعاقد مع القطاعين العام والخاص وعن تجربته في هذا المجال قال:
إن التعاقد مع القطاع الخاص في مجال البناء أو حتى في أي مجال يتمتع بمرونة أكثر من حيث قلة الإجراءات الإدارية والمعاملات الورقية وأيضاً السرعة بالتنفيذ كما أنه يتاح المجال لطرفي التعاقد بالتنفيذ ضمن الشروط الجزائية دون تأخير ودون التعرض لمشكلة الفروقات بالأسعار أثناء التنفيذ لمدة طويلة ومن ثم فإنك عند التعاقد على تنفيذ المشاريع التابعة للقطاع الخاص تستطيع أن تلتزم بالمدة المحددة وأيضاً حساب الأرباح والنفقات بشكل دقيق ما يجعل هامش الربح أكبر واحتمال التعرض للخسارة أقل.
وأضاف: من جهة أخرى دعونا لا ننس المزاجية بالتعامل مع اللجان بالمشاريع التابعة للقطاع العام التي غالباً ما يكون التعامل معها صعباً ومعقداً على حين أن مشاريع القطاع الخاص الأمور فيها واضحة وبعيدة عن التعقيد.
وتابع حديثه قائلاً: ولكن رغبة الجميع بالتعامل مع مشاريع القطاع العام تنبع من رغبة المتعهدين بالحصول على مشاريع ضخمة من النادر وجودها بالقطاع الخاص كما أن المنافسة للحصول عليها ليست مستعرة كما هو الحال بالنسبة للمشاريع الخاصة الضخمة التي تتهافت للحصول عليها الشركات المحلية والدولية حيث إن المنافسة بالوقت الحالي أصبحت شديدة وخاصة مع الانفتاح على دول الجوار مثل تركيا وإيران حيث باتت الشركات التركية والإيرانية حاضرة على كل عرض.
وبين أنه على الرغم من صعوبة التعامل مع اللجان أثناء تنفيذ مشاريع تابعة للقطاع العام إلا أن الإقدام عليها مازال مغرياً للكثيرين من المتعهدين والجهات المنفذة كما أنه لم يخف استياء المتعهدين من انحياز الحكومة الواضح تجاه الشركات العامة حيث تعطي الحكومة الأفضلية للشركات العامة في تنفيذ مشاريعها على الرغم من عدم قدرة هذه الجهات على الالتزام بالوقت أو الجودة بالتنفيذ.
أخيراً
نلاحظ بعد هذا العرض أنه ثمة خلل واضح بالنسبة للمشاريع المنفذة من بعض الجهات العامة وفي هذا الإطار ثمة نقطتان أساسيتان يجب التوقف عندهما حيث ثمة عوامل لا دخل لهذه الشركات بها مثل ما تعرض له الأكاديميون الذين التقيناهم من عقبات وعوامل أهمها ضرورة تعديل الأنظمة والقوانين التي باتت في هذا المجال مهترئة ولم تعد قادرة على التماشي مع ضرورات العمل الإنشائي هذه الأيام وأيضاً ضرورة اعتماد فريق من الجهة المنفذة والمدققة مهمته الحضور بشكل ميداني على أرض المشروع مع منحهم هامشاً من الصلاحيات لاتخاذ القرارات الضرورية والمتعلقة بالفروقات التي قد تنتج أثناء التطبيق وهو أمر متعارف عليه هندسياً وفي جميع دول العالم، حيث إن وجود فريق كهذا من شأنه معالجة الكثير من العقبات في هذا المجال.
وبالنسبة للنقطة الثانية فالأمر متعلق بضرورة أن تنظر الجهات المعنية وإدارة هذه الجهات العامة المنفذة أو الدارسة أو المدققة للمشاريع إلى الوراء وأن تعيد النظر بتلك العوائق التي ما زالت تؤثر في آلية عملها وهو أمر متاح بدليل أن هذه الجهات قادرة في حال أرادت التقييد بكل الشروط والمدد الزمنية بدليل الأمثلة التي تطرق إليها المهندس بجاري للمشاريع التي نفذت بشكل نوعي وضمن المدد والمهل ومن ثم هل سنشهد بالأيام القادمة تغيرات إيجابية في هذا المجال؟
سؤال برسم الجهات المعنية..
باسل معلا