 |
2008 غير صالح للقياس
بمجرد طرح الموضوع على طاولته، أكد د. عابد فضلية وبشكل جازم «أن عام 2008 لا يصلح إطلاقاً لجعله سنة أساس لقياس التضخم في الاقتصاد السوري عام 2009، وذلك لكون معدلات التضخم خلال عام 2008 كانت معدلات مرتفعة جداً وقياسيةً واستثنائيةً، سواء على الصعيد المحلي أم الإقليمي أم العالمي، ولذلك لا يجب القياس عليها على الإطلاق لأن الأرقام الناتجة عنها ستكون مضللة ولا تعكس الواقع على الإطلاق لكونها استثنائيةً بسبب ارتفاع أسعار النفط والغذاء عالمياً لمدة لا تقل عن ستة أشهر»، وعليه رأى د. فضلية أن القياس على عام 2008 «غير موضوعي وغير سليم». وتابع موضحاً إن «للتضخم أسباباً متعددة منها خارجية ومنها داخلية أو محلية، ولئن كان تضخم الاقتصاد السوري خلال 2008 في معظمه مستورداً إلاّ أن جزءاً منه كان محلياً، والدليل على ذلك أن التضخم ارتفع خلال 2009 بنسبة 2. 8% وهذا بالمقارنة مع 2008، أي إن أسعار سلع سلة المستهلك ارتفعت خلال 2009 بهذه النسبة، على حين في كل بلدان العالم انخفضت مستويات الأسعار ولاسيما بالنسبة لسلة المستهلك في 2009 بالمقارنة مع 2008، وهذا يعني أن جزءاً كبيراً من 15.15% (معدل التضخم في 2008) ناتج عن أسباب داخلية»، إذ لو كانت أسباب التضخم خارجية فقط لكان معدل التضخم انخفض بالتأكيد خلال 2009 لدرجة أن أصبح تضخماً سالباً حسبما رأى د. فضلية الذي أوضح لمزيد من الدقة أنه «لو كان التضخم في سورية عام 2008 مستورداً بالكامل، فكان يجب أن يصبح سالباً خلال 2009 بالمقارنة مع 2008 إلاّ أن كون جزء كبير من أسباب التضخم خلال 2008 محلياً فإن معدل التضخم ارتفع خلال 2009 على الرغم من انخفاض مستوى الأسعار عالمياً، ودليل هذا انخفاض أسعار العقارات».
التضخم قطاعي
ومن جهته ميّز الباحث الاقتصادي د. سهيل الحمدان في بداية حديثه لـ«الاقتصادية» بين طريقتين لقياس التضخم؛ الأولى «يلجأ إليها المصرف المركزي حين يحسب كمية النقود الموجودة بين أيدي الناس ومعدل دوران العملة مقارنةً بحجم الإنتاج الموجود المتمثل بالناتج الإجمالي المحلي، والطريقة الثانية هي التي يلجأ إليها المكتب المركزي للإحصاء عبر ما يسمى قياس السلعة أو أسعار المستهلك، وهذه الطريقة تتم عبر قياس سلة من السلع الموجودة في السوق السورية وتتم عبر التثقيلات»، ورأى أن تراجع معدل التضخم من نحو 13% خلال الأشهر الأولى من 2009 إلى 2.8% في المحصلة النهائية، هو «أمر منطقي بالنسبة لبعض القطاعات وليس منطقياً على جميعها»، وأضاف د. الحمدان «إن التضخم الذي شهده الاقتصاد السوري خلال 2008 والذي بلغ حدود 15% كان ناجماً بالمحصلة عن استمرار ارتفاع الأسعار في قطاع العقارات، ما أثر في حساب معدل التضخم الكلي الذي يضم القطاعات الأخرى، أما خلال 2009 فإن انخفاض أسعار العقارات في بعض المناطق بحدود 30% أدى إلى انخفاض التضخم الكلي في الاقتصاد السوري”، وعليه رأى د. الحمدان أن «العنصر الأكثر تأثيراً في تضخم الاقتصاد السوري هو العقارات التي انخفضت أسعارها، ولكن انخفاض حجم قيمة مبيعاتها بشكل حاد في سورية خلال 2009 خفف أثر انخفاض أسعارها في السلة التي يستخدمها المكتب المركزي للإحصاء»، وهذا دفع د. الحمدان إلى الموافقة على الأرقام الأخيرة التي أعلنها المركزي للإحصاء حول معدل التضخم في الاقتصاد السوري، وفي الوقت نفسه أوضح أنه «إذا كان تضخم القطاع العقاري سلبياً خلال 2009 فإن التضخم في القطاعات الأخرى لم يكن كذلك!».
وفي السياق نفسه يؤكد د. فضلية من جهته أن أسعار السلع الكمالية والمعمرة والعقارات انخفضت في سورية خلال 2009، لكنه يوضح أن الانخفاض «لم يشمل أسعار سلة المستهلك وخاصةً ما يتعلق بالخبز واللحوم والحبوب والأسماك واللبن وغيرها من ملابس وكهرباء.. الخ، مادامت أسعار هذه المواد في 2009 ارتفعت بالمقارنة مع 2008 فهذا يعني أن المشكلة داخلية لأنه لا يوجد أي سبب عالمياً لتسويغ ارتفاع أسعار هذه السلع، ولكن بالنسبة للمواطن السوري فإن أسعار هذه السلع هي الأهم، لكونها تمثل السلة الغذائية التي تقاس موجبها قدرته الشرائية، وارتفاع أسعار هذه السلع حتى وإن بمعدل 2.8 يعدّ مؤشراً غير صحي بل يعد مؤشراً مؤذياً للقدرة الشرائية للعائلة السورية».
ومن جهة أخرى رأى د. الحمدان أن «التضخم الذي شهده الاقتصاد السوري خلال السنوات السابقة هو تضخم طبيعي»، وبرر ذلك بنشوء جامعات ومصارف وشركات تأمين خاصة، وأشار د. الحمدان إلى أن «التضخم طبيعي في ظل سيطرة النمو الريعي على الاقتصاد، وهذا ليس نمواً حقيقياً لأنه ليس في القطاعات الإنتاجية إلاّ أنه يساهم في زيادة معدلات التضخم لأنه يزيد من الكتلة النقدية الدائرة في السوق»، وفي السياق أكد د. الحمدان فكرة أن هناك تضخماً محموداً وضرورياً يتراوح بين 2 إلى 5% وتابع موضحاً: «إذا انخفض معدل التضخم عن هذه النسبة فإن الاقتصاد يدخل في دورة ركود وهو أمر خطير، وكذلك الأمر إذا تزايد معدل التضخم عن هذه النسبة فإنه أيضاً يمثل خطراً من نوع آخر»، وأكد د. الحمدان ضرورة أن يحافظ الاقتصاد السوري على معدل تضخم بحدود 5% فهذا أفضل للاقتصاد.
رقم المركزي صحيح.. ولكن!
ويرى د. الحمدان أن التضخم، وبغض النظر عن الرقم المعلن، تراجع بشكل كبير جداً، وأوضح أن قياس معدل كل من النمو والتضخم خلال عام معين يتم انطلاقاً من العام السابق له، وعن مدى ملامسة هذا القياس للواقع أعرب د. الحمدان عن اعتقاده بأن «هذا الأمر لا يمكن تحديده بشكل واضح، إذ يمكن أن يكون حساب تضخم الكتلة النقدية أمراً مختلفاً، فالتضخم الذي يقيسه المصرف المركزي يختلف عن ذلك الذي يقيسه المكتب المركزي للإحصاء»، وفي الوقت نفسه أكد د. الحمدان ضرورة أن تتم معالجة القياسين معاً «للخروج بمعدل التضخم الأقرب لواقع الاقتصاد»، ولكنه تابع معرباً عن اعتقاده بأن «الفروقات بين المعدلين (من المركزي للإحصاء والمصرف المركزي) ستكون طفيفةً جداً، فإذا كان الاقتصاد طبيعياً ومتوازناً والبيانات التي يستند إليها معدو التقارير والإحصاءات سليمة وصحيحة، فمهما اختلفت طرق الحساب ستكون النتيجة متقاربةً جداً، وإذا كان هناك فروق كبيرة فلابد أن هناك رقماً خاطئاً»، ولكن بالعموم أشار د. الحمدان إلى أن «أرقام المكتب المركزي للإحصاء غالباً ما تكون أدق».
وبالعودة إلى د. فضلية فإنه لم يتوان عن التصديق على الرقم الذي أطلقه المكتب المركزي للإحصاء، فهو حسب قوله «صحيح بحسب مقاييس المكتب والمقاييس الملموسة»، لكن في الوقت نفسه رأى د. فضلية في إعلان أن معدل التضخم خلال 2009 هو 2.8% فقط ثم وبكلمات خجولة تم توضيح أن هذا الرقم هو بالمقارنة مع العام السابق، رأى في ذلك «تصريحاً غير شفاف، فالتصريح الشفاف هو تحديد معدل التضخم في الاقتصاد السوري بالمقارنة مع عام 2005 كسنة أساس حيث سيكون معدل التضخم المتراكم حتى 2009 أكبر بكثير من هذا الرقم، وصحيح أن هذه الأرقام سليمة إلاّ أنها استندت إلى العام 2008 كعام أساس وهذا على ما يبدو يعكس رغبةً في تخفيف حدة ارتفاع التضخم في الاقتصاد».
أما فيما يتعلق بعلاقة زيادة الكتلة النقدية بالتضخم في الاقتصاد السوري، أوضح د. فضلية أن «زيادة الكتلة النقدية ليست السبب وراء التضخم، وما صرح به حاكم المصرف المركزي دقيق في هذا الصدد، فصحيح أن دخول الاستثمارات الأجنبية إلى السوق السورية ساهم في التضخم خلال عامي 2007 و2008، ولكن التضخم الحالي الذي يعانيه الاقتصاد السوري ليس تضخماً نقدياً، أي إنه لا يوجد فائض في السيولة يزيد على الكتلة السلعية الخدمية في السوق مع الأخذ بالحسبان طبعاً سرعة دوران النقد، وعليه فإن سبب مشكلة التضخم في سورية هو ارتفاع أسعار تكاليف الإنتاج، كما أن ليس سببه قصور العرض عن الطلب وإنما ارتفاع التكلفة، وإذا كان للكتلة النقدية دور في تضخم عام 2008 إلى جانب دور الأسباب الداخلية الأخرى، فإن العوامل الخارجية التي يعد دخول الاستثمارات الأجنبية أحدها زالت في 2009 بنسبة كبيرة، على حين بقيت العوامل الداخلية وتفاقمت وهي التي أدت إلى ارتفاع نسبة التضخم خلال 2009 مقارنةً مع 2008».
التضخم لم ينخفض
وأبدى د. فضلية تأييده لمقولة انخفاض حدة التضخم خلال 2009 بالمقارنة مع 2008 إلاّ أنه شدد على أن التضخم «لم ينخفض بالتأكيد»، حيث تركز التضخم بشكل أساسي في «أسعار سلة المستهلك وهذا يعني إضراراً أكثر بمتوسطي وضعيفي الدخل لكون أسعار السلع الرأسمالية والعقارات والسلع الرفاهية قد انخفضت في 2009 مقارنةً بعام 2008».
ويؤكد د. فضلية أن الأسباب الداخلية للتضخم ما زالت مستمرة، «فبغض النظر عن موضوعية أو عدم موضوعية قرار رفع أسعار المحروقات لكونه مسألة تدركها الحكومة أكثر من غيرها، إلاّ أن رفع أسعار المازوت تحديداً قد أثر بشكل موجع على ارتفاع تكاليف إنتاج كل أنواع السلع والخدمات في سورية، وبالتالي على أسعار السلع والخدمات النهائية بكل مناحي الحياة الاقتصادية، ومن جهة أخرى أثر تحرير أسعار الأسمدة خلال السنتين الماضيتين بشكل موجع على الزراعة السورية رغم أن وزارة الزراعة والحكومة ضغطتا في الفترة الأخيرة لتخفيض أسعار السماد، ويضاف إلى أسباب التضخم الداخلية حسب اعتقادي الشخصي (والقول للدكتور فضلية) وجود احتكار القلة في السوق السورية لأهم السلع الغذائية وسلع البناء والأعلاف، ومن هذه السلع السكر والرز والشاي والأخشاب والحديد ومواد البناء وعلى رأسها الأعلاف المستوردة والصويا والذرة، وكل هذه الأنواع التي هي الأهم للشريحة الأعرض للمواطنين السوريين، بشكل مباشر أو غير مباشر، واقعة اليوم بيد احتكارا القلة، أي إن بضعة منتجين أو مستوردين يسطرون عليها منذ سنين طويلة وحتى الآن، وهؤلاء كمحتكري قلة قد يكون هناك تنسيق بالتسعير فيما بينهم ما يعني أن هناك احتكاراً مطلقاً (الاحتكار المطلق هو احتكار جهة واحدة؛ أما القلة فهو احتكار عدة جهات)، فعندما تتفق عدة جهات على مستوى معين من الأسعار فهذا يعني أنه احتكار مطلق وهذه ظاهرة غير صحية في الاقتصاد السوري وتساهم بدورها في موضوع التضخم وارتفاع الأسعار»، وبالنسبة لمدى فعالية تشجيع قانون المنافسة ومنع الاحتكار في لجم هذه الظاهرة فيوضح د. فضلية «إن هذا القانون لم يساهم في الحد من الظاهرة بل رسخها، فصحيح أن هذا القانون جاء في كثير من مواده إيجابياً ويهدف لحماية المستهلك وتشجيع المنافسة إلاّ أن هناك بعض المواد فيه كانت سلبيةً، وخاصةً تلك المادة التي تقول إنه لا يجوز لمنتج أو لجهة واحدة أن تسيطر على أكثر من 30% من حاجة السوق وفقط، وهذا يعني أن القانون بحد ذاته قد شرع لأربع جهات احتكار كامل السوق، بمعنى أن احتكار القلة كان قبل القانون متهماً وغير شرعي، أما بعد القانون فأصبح شرعياً ويستطيع محتكرو القلة اليوم أن يقولوا: نحن خمس جهات مختلفة ويحق لنا احتكار السوق كل على حدة بموجب القانون!». وتابع د. فضلية «إن وجع الاقتصاد السوري يتركز منذ عشرات السنين من وجود احتكار القلة»، موضحاً في الوقت نفسه أنه «ليس هناك مشكلة لدينا مع الاحتكار المطلق الذي تقوم به الحكومة، فالحكومة وإن كانت تحتكر بشكل مطلق بعض السلع إلاّ أنها غير مؤذية لأن أسعارها اجتماعية ومدروسة، بل مشكلتنا احتكار القلة التي يمارسها البعض اليوم بموجب القانون».
الحقيقة بالأرقام الرسمية
انطلاقاً مما أعلنه المكتب المركزي للإحصاء مؤخراً بأنه استند إلى عام 2005 كسنة أساس وحدد الرقم القياسي لأسعار المستهلك لجميع السلع فيها بـ/100/، وبأن الرقم القياسي بلغ خلال 2006 /110.03/ بمعدل تضخم 10.03%، ثم في 2007 بلغ الرقم القياسي /114.98/ بمعدل تضخم 4.5%، وتابع الرقم القياسي نموه في 2008 وصولاً إلى /132.4/ أي بمعدل تضخم 15.15%، فيمكن القول إن الرقم القياسي وصل عام 2009 إلى (132.4 زائداً 3.22- وهي حاصل إضافة 2.8% إلى 132.4- يساوي:) /136.10/ بمعدل تضخم 2. 8%، وهذا دقيق ويستند إلى الأرقام الرسمية نفسها، ولكن إذا اعتبرنا أن التضخم ارتفع في 2008 انطلاقاً من 2007 كسنة أساس افتراضية (تساوي إما الصفر وإما 100) بحدود 15.15%، فإن ارتفاعه في 2009 وصل بالتأكيد إلى 18.3% مقارنةً بعام 2007 كسنة أساس، أما إذا أخذنا سنة 2005 كسنة أساس فإن التضخم في 2009 هو 36.10%، وهذا أيضاً رقم يستند إلى التصريحات والأرقام الرسمية الصادرة عن المكتب المركزي للإحصاء، وعليه فإن إعلان معدل التضخم في الاقتصاد السوري لعام 2009 على أنه 2.8% وإهمال تراكمه خلال السنوات الأربع الماضية (منذ انطلاق الخطة الخمسية العاشرة)، يشير إلى سعي بعض الجهات الرسمية لتلطيف التضخم الذي تؤكد بعض الدراسات الدولية والمحلية بلوغه مستويات فاقت الأرقام الرسمية بكثير خلال السنوات الماضية، وعليه فإن الهدف هو التلطيف لا أكثر ولا أقل، أما الهدف من التلطيف نفسه فلابد سيظهر إن آجلاً أو عاجلاً، وأغلب الظن أنه سيكون مرتبطاً بزيادات الأجور!.
وسيم الدهان